الاستيطان في الإقليم الشمالي الغربي في المملكة العربية السعودية

الكاتب: ولاء الحمود -
الاستيطان في الإقليم الشمالي الغربي في المملكة العربية السعودية

الاستيطان في الإقليم الشمالي الغربي في المملكة العربية السعودية.

 
 
أسهمت الظروف الطبيعية والبيئية في جعل الأجزاء الشمالية الغربية من المملكة مكانًا مناسبًا لنشوء حضارات إنسانية مبكرة، إضافة إلى ما هيأه البحر الأحمر في الجهة الغربية من ربطها منذ أقدم العصور بالموانئ المطلة على الجهة الشرقية له؛ ما أتاح لسكانها فرصة الاتصال البحري بالأمم والشعوب داخل الجزيرة العربية وخارجها.
وأصبحت هذه الأقاليم بفضل هذه المقومات الطبيعية مناطق جذب للإنسان منذ أزمنة مبكرة، ففي أرجائها نشأت حواضر تاريخية، فبالإضافة إلى يثرب (المدينة المنورة) وقُرية وتيماء؛ قامت فيها مراكز حضارية في: دادان (العلا حاليًا)  ، في موقع دادان (الخريبة) في العلا وخيبر، والحناكية، وبدر، والعيص، كما انتشرت على ضفاف الأودية ووسط الحرَّات الخصبة مواقع استيطانية مبكرة؛ ما هيأ للمنطقة أن تتبوأ دورًا بارزًا في نمو الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتطورها لسكان شمال غرب جزيرة العرب.
وتؤكد الأدلة الأثرية التي كُشف عنها في عدد من المواقع شمال غرب المملكة قِدَم الاستيطان هناك منذ العصر الحجري القديم وتواصله، مع ازدياد في كثافة سكان المنطقة خلال العصر الحجري الحديث. وتشير كذلك الاكتشافات الأثرية الحديثة في المنطقة إلى بعض الأنشطة المختلفة التي تجسد تاريخ الإنسان هناك خلال عصر فجر التاريخ وبداياته، وخلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، وبفضل الاستثمار الأمثل لمخرجات البيئات المحلية تمكَّن الإنسان آنذاك من تطوير مكوناته الثقافية والاجتماعية؛ ما أسهم في انتقاله من نمط حياة اجتماعية إلى أخرى. وهذا ما يلاحظه المرء بشكل واضح منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد، حينما تمكن إنسان المنطقة من الانتقال من عهد المشيخة القبلية والزعامات العشائرية إلى عصر جديد تبلورت خلاله مفهومات الفكر السياسي، وأفضى إلى ما يمكن للمرء أن يسميه: عصر الممالك العربية القديمة. وخلال هذا العصر شهدت المنطقة قيام ممالك متتابعة ذات نظم سياسية تعتمد على توريث الحكم من الأب إلى الابن من بعده، ومن بين ما هو معروف حتى الوقت الراهن من الممالك العربية القديمة التي سادت في المنطقة: مملكة تيماء. ومملكة دادان، ومملكة لحيان، ومملكة الأنباط، إذ يمكن تناول الاستيطان في الإقليم الشمالي الغربي على النحو الآتي:
 

 الاستيطان في تيماء

 
أسفرت نتائج أعمال بعثة الحفريات السعودية الألمانية المشتركة في موقع تيماء عن نشوء عدد من المستجدات، من أهمها احتمالية إرجاع أقدم الطبقات السكنية في تيماء إلى فترة بداية المعادن؛ أي الألف الرابع قبل الميلاد  ،  كما أُخذت عينات كربونية من طوب اللِّبِن لسور المدينة الطيني، وبتحليلها أعطت تأريخًا بين القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد  ،  كما يُؤرِّخ فخار منطقة الصناعية بتيماء  غالبًا لفترة نهاية الألف الثاني قبل الميلاد  .  وهكذا تنبئ المعطيات الجديدة عن بُعد زمني أعمق لتاريخ تيماء القديم.
وتنبئ رواية المصادر البابلية عن التاريخ السياسي لتيماء خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، حيث الإشارة في نقش نبونيد (كوروش البابلي) إلى قيامه في أثناء غزوه شمال غرب الجزيرة العربية في منتصف القرن السادس قبل الميلاد بقتل (يتر) ملك تيماء  .  ما يعني أن تيماء كانت آنذاك تشهد تنظيمًا سياسيًا يقوم على رأسه شخص يحمل منصب ملك. من جانب آخر فإن توجيه الملك البابلي نبونيد جيوشه لاحتلال المدن الحضارية في شمال غرب الجزيرة العربية (تيماء. دادان. يثرب. الحائط، الحويط) يشير بوضوح إلى الأهمية السكانية والاقتصادية لتلك المواقع آنذاك  . 
 

عصر مملكتَي دادان ولحيان

 
استمرت هذه الفترة الحضارية لمدة جاوزت ثمانية قرون؛ من القرن التاسع قبل الميلاد حتى منتصف القرن الأول قبل الميلاد، وتداخلت فيها عوامل السيادة الرسمية والنفوذ التجاري في العُلا بين قوى سياسية وقبلية ثلاث؛ فقد قامت مملكة (دادان) العربية على أرض العُلا مع بدايات الألف الأول قبل الميلاد، ونُسبت إلى حاضرتها التي تقع أطلالها شمال شرق مدينة العُلا الحالية، والمعروفة محليًا باسم "الخريبة"  .  لقد كانت دادان تشهد آنذاك - بسبب توافر الماء والأراضي الخصبة - نشاطًا زراعيًا مميزًا، فضلاً عن كونها محطة تجارية رئيسة على الفرع الغربي لطريق البخور.
ومن المرجح أن حكم مملكة دادان لواحة العُلا امتدَّ لفترة راوحت بين أربعة وخمسة قرون، وحتى الوقت الراهن لم يُعثر سوى على أسماء ثلاثة من حكامها هم (متع إل. كبر إل، عاصي). وتشير المعثورات الأثرية - سواء في موقع دادان نفسه أو في محيطه الجغرافي - إلى أنه كان لمملكة دادان إبان فترة ازدهارها أدوار تجارية وسياسية متميزة، وكان لها صلات وعلاقات وطيدة بكثير من مناطق جنوب جزيرة العرب وشمالها على حدٍّ سواء. واستمر ذلك حتى انهيارها في النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد  . 
وعلى إثر ذلك انتقلت الزعامة في دادان (العُلا حاليًا) إلى اللحيانيين   الذين كانوا قد ساكنوا الدادانيين في المنطقة من قبل، ثم غلبوا عليهم وامتلكوا السيادة فيها في النصف الأخير من القرن السادس قبل الميلاد. واستمرت سيادة اللحيانيين على دادان مدة قاربت خمسة قرون متتالية، وخلالها أخذوا بنُظُم حكومية راقية  ،  وبرعوا في الزراعة والتجارة على حدٍّ سواء. وقد ذكر الكاتب الكلاسيكي ديودورس أن خليج العقبة كان يُسمى "خليج لحيان"  ،  ما قد يُعد قرينة على اتساع نفوذ اللحيانيين التجاري آنذاك حتى خليج العقبة في الأطراف الشمالية للبحر الأحمر.
وفي فترة زمنية توسطت بين سيادتَي الدادانيين واللحيانيين هاجرت بعض القبائل المعينية من شمال اليمن بدوافع التجارة؛ لتتخذ من دادان (العُلا حاليًا) موطنًا لها؛ من أجل تسيير أمور تجارتها. ولتتوسط بين السلطات المحلية الحاكمة وقوافل عرب الجنوب المحملة بالبخور واللبان ونوادر السلع الهندية الثمينة، والمتجهة شمالاً إلى الشام وغربًا إلى مصر  ،  ما هيَّأ للجالية المعينية في العُلا نفوذًا اقتصاديًا فاعلاً من غير طمع في الحكم وتبعاته. ولم تلبث دولة لحيان أن اضمحلَّت مع ظهور الأنباط بوصفهم قوة مسيطرة ووحيدة في شمال غرب الجزيرة العربية.
 

 فترة السيادة النبطية

 
ساد الأنباط في هذه المنطقة منذ منتصف القرن الأول قبل الميلاد حتى عام 106م  ،  وهو تاريخ سقوط دولتهم على يد الرومان في عهد الإمبراطور تراجان. وقد اتخذوا من الحجر (مدائن صالح)    حاضرة جنوبية لهم، خصوصًا بعد أن تزايدت ضغوط الرومان على عاصمتهم البتراء (سلع).
ويرجع وجود الأنباط بوصفهم قوة إقليمية في منطقة الشام وشمال غرب المملكة إلى نهاية القرن الرابع قبل الميلاد. إذ علا شأنهم وقَوِيَ نفوذهم، واتسعت دولتهم من دمشق شمالاً حتى العُلا جنوبًا، ومن دومة شرقًا حتى مدين غربًا. ولم يكتفِ الأنباط - إِبَّان ازدهار دولتهم - بسيطرتهم على مجريات التجارة البرية والبحرية آنذاك، بل برعوا في الزراعة، وابتكروا تقنيات ري متطورة  . 
 

الاستيطان في يثرب

 
تشير شواهد التاريخ إلى أن يثرب كانت مركزًا استيطانيًا منذ أقدم العصور، فقد توافرت فيها خصوبة الأرض وغزارة المياه؛ ما أدى إلى تحقق المقومات الأساسية للحياة، وملاءمة الظروف لأقدم المهن المرتبطة بالاستقرار: الرعي والزراعة، وغير ذلك من الأنشطة الحياتية الأخرى، كما أن لوقوعها على طريق البخور وقربها من شواطئ البحر الأحمر أثرًا مهمًا في استثمارها لتجارة العبور المارة بها، فضلاً عن توافر الفرصة لانتعاش موانئها القديمة، مثل: ميناء الجار، وميناء ينبع  . 
لقد كُشف عن كثير من الدلائل الاستيطانية المؤكَّدة في مواقع متعددة من منطقة المدينة المنورة، وترجع إلى بدايات العصر الحجري القديم وطيلة ما تلاه من عصور، ممثلة في الأدوات الحجرية المتنوعة من حيث أساليب الصناعة وأنماط الاستخدام، وكذلك المنشآت الحجرية ذات التخطيطات المثلثة أو الدائرية  ،  إلى جانب أعداد وافرة من النقوش والرسوم الصخرية   مختلفة الموضوعات ومتباينة الاتجاهات  ،  والتي تعكس ثراءً فريدًا في أساليب العيش، واستجابات بشرية متميزة لتحديات البيئة وظروف الأحداث آنذاك.
لقد ورد ذكر يثرب في كتابات بعض الكُتَّاب الكلاسيكيين  ،  وظلت هذه المستوطنة المهمة - بربوعها التي ضمت عوالي المدينة وقباء والعُصبة - مركزًا زراعيًا وعمرانيًا متميزًا يتمتع بالثراء في عصور ما قبل الإسلام، فبنى أهلها من حولها عددًا من الأبراج الدفاعية والتحصينات، ثم تغير مركز المدينة جوهريًا بعد الهجرة الشريفة؛ فأصبحت عاصمة للدولة الإسلامية الناهضة وبقيت كذلك إلى حين. في حين كان كل من موقعَي بدر وقباء منذ القدم موطنين لبعض القبائل البدوية الرعوية، وأمكنة لأنشطة زراعية محدودة؛ ساعد على ذلك توافر الآبار وعيون المياه العذبة.
كما أُقيمت في خيبر - بوصفها ذات ثراء كبير لتوافر عيون المياه العذبة فيها ولكونها منطقة تجمُّع للأودية   - مجموعة من السدود؛ منها: سد القصيبة، وسد الزايدية، وسد المشقوق، وقد استُخدمت في بنائها الأحجار البركانية الصلدة، غير أن سد الحصيد الضخم الواقع جنوب خيبر  يُعد أهمها جميعًا، ويُرجَّح تأريخه بنهايات الألف الثاني وبدايات الألف الأول قبل الميلاد  ،  وقد نُفِّذ بتقنية هندسية متميزة، فقد جُعلت له قناة مائية لتصريف المياه المتجمِّعة من ورائه حسب الحاجة. ويقع حصن مرحب غرب خيبر  ، وتُؤرَّخ أساساته والقصر الموجود بداخله بعصور ما قبل الإسلام. فضلاً عن ذلك تنبئ عن النشاط السكاني في المنطقة مجموعة أخرى من الحصون في مواقع: الزايدية، والسلالم، والردات، ومجموعة من النقوش الثمودية   التي عُثر عليها في بعض المواقع شمال خيبر، منها: العين، وجبال عطوي، والحرضة.
ويبدو أن موقع ميناء الجار كانت له أهمية قبل ظهور دوره المهم في العصر الإسلامي المبكر، فقد عُثر فيه على مجموعة من المسكوكات الرومانية المؤرَّخة بأواسط القرن الرابع الميلادي. في حين عُثر بجوار الحناكية - شرق المدينة، في موقع جبل العهين   - على رسوم صخرية  لأناس كثيرين وقطعان ضخمة من الأبقار وعشرات من الإبل ومختلف الحيوانات الأخرى، فضلاً عن النقوش العربية الشمالية. ومن المواقع أيضًا موقع (العيص) على بُعد نحو 90كم شمال غرب ينبع، فقد كانت العيص مركزًا استيطانيًا قديمًا، وأصبحت من بعدُ أحد المواطن الرئيسة لقبيلة جُهينة، حيث تحوي ما يقرب من 60 عينًا للماء العذب، ومن أهم المعالم القديمة لهذا الموقع قلعة ضخمة ُتعرف بقلعة "الفرع"  ،  وتعود بداية إنشائها إلى القرن الثاني أو الأول قبل الميلاد، وقد عُثر هناك على بقايا فخارية متنوعة تشابه طراز الفخار النبطي والروماني  . 
 

الاستيطان في الإقليم الغربي (مكة المكرمة)

 
شهدت مناطق السواحل الغربية للمملكة عامة (من تبوك شمالاً حتى مرتفعات عسير ومنخفضات غرب نجران جنوبًا) حياة حافلة لجماعات بشرية كثيفة قامت أنشطتها في بادئ الأمر على الرعي وتدجين الحيوان، وقد أقامت منشآت حجرية ضخمة تُؤرَّخ بالفترة من الألف الثالث حتى الألف الأول قبل الميلاد  ؛  أي من بدايات العصور التاريخية حتى العصر الحديدي.وقد شهدت منطقة مكة المكرمة وسواحلها الممتدة على البحر الأحمر حركة استيطان واسعة منذ أقدم العصور، حيث تقدم المكتشفات الأثرية في كل من: وادي فاطمة  ،  وجبل العرفاء بالطائف  ، وجبال بحرة  ؛  شواهد مادية على استيطان كثيف مبكر في المنطقة. ونتيجةً لتنوع معطيات البيئة فيها - بين سهول وأودية جارية وجبال، وتمتعها بأمطار وفيرة ومسطحات نباتية كثيفة - فقد عاشت فيها - إلى جانب الإنسان - قطعان كبيرة من الحيوانات البرية المختلفة.وكذلك فإن السهول الساحلية الواقعة غرب مكة المكرمة عامة (وهي التي تمتعت بوفرة المياه حتى بعد أن خيَّم شبح الجفاف القاسي على المنطقة في عصر الهولوسين) ظلت مواقع للاستيطان منذ أقدم مراحل ما قبل التاريخ وطيلة ما تلا ذلك من عصور، ومن أمثلة ذلك استمرار الاستيطان بوادي فاطمة من قِبَل بعض بطون قبائل الأزد في القرن الثاني الميلادي  .  فضلاً عن ذلك فإن الرسوم الصخرية التي تصوِّر أشكالاً آدمية ووعولاً وبعضًا من طيور النعام في جبل القصب   جنوب شرق جدة بنحو 60كم - ويعود جزء منها إلى العصر البرونـزي (منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تقريبًا) - تشير إلى نشاط الإنسان في المنطقة آنذاك.
لقد كان للطريق الساحلي المحاذي لجدة دور مهم في التحركات البشرية مختلفة الأغراض منذ بدايات الألف الأول قبل الميلاد تقريبًا، وفي الفترة نفسها تقريبًا استوطن بعض بطون خزاعة أودية جدة وشعابها وسهولها، من بعد قضاعة  .  وتذكر الروايات التاريخية أن بعض أكاسرة الفرس قد فطنوا إلى الأهمية التجارية لجدة فجعلوا منها مستودعًا لتجميع تجاراتهم قبل نقلها إلى بلادهم، ومن أجل ذلك حصَّنوها بسور يحيط به خندق. ما يُعد قرينة توضح دور ميناء جدة بوصفه مرفًا لمراكب الصيد وربما ميناءً للسفن منذ نهايات القرن الرابع قبل الميلاد  . 
وإلى جانب ميناء جدة تحدثت المصادر عن دور قديم لميناء الشُّعيبة الذي يبعد نحو 50كم عن جدة من جهة الجنوب  ،  كما عُثر كذلك على بقايا ميناء أو مستوطنة ساحلية قديمة بمحافظة الليث   جنوب مكة المكرمة، ضمت جبالها كثيرًا من النقوش الصخرية المعبِّرة عن سمات واقعية لأنماط من الحياة، وشواهد للمعتقدات الدينية القديمة التي سادت في هذه المنطقة قبل ظهور الإسلام.
ومن الدلائل الأخرى للاستيطان الكثيف في منطقة مكة المكرمة وجود مجموعة من الرسوم الصخرية الكثيرة التي تُؤرَّخ بالعصر البرونـزي (بين 2500 و 1500ق.م تقريبًا) في عدد من المواقع الأخرى، مثل: وادي الكفو باليمانية، والدويدة، وعين شمس، والحرمان، وجبل عضل، والمحاوي، ووادي العسيلة، ومنطقة سوق ذي المجاز.. وغيرها، أو من حول الطائف، مثل: جبل سليطينة، والردف، وأم السباع  ، وغدير البنات، والمظهر، والسيل الكبير، ووادي سعد، وميسان.. وغيرها، أو في جبل أم رضام بإضم في محافظة الليث قرب جدة؛ سواء بوادي بويب، أو بريمان، أو الكامل.. أو غيرها  . 
أما وادي مكة (حول بيت الله المحرم)، فقد هُجر مع بدء فترة الجفاف، وظل قفرًا غير ذي زرع قرونًا طويلة (حتى بداية الألف الثاني قبل الميلاد)، حتى وصله الوفد الكريم من آل إبراهيم عليه السلام  ،  وكانت دعوة خليل الرحمن المباركة: ﯢﯸﭟﯾﮊﮥﭔﭑ ﭙﰟﮄﮟﰟﯣﱏ ﭖﮢﯪﱄﭣﮣﮊﭽﰱ ﭲﰠﮐ ﯝﰹﯢﮘﰞﯔﯾﭼﰚﰤ ﭟﰟﮡﮥﭓﯛﭮ ﰿﮨﯞﱇﯟﰟ ﯝﰠﯤ ﯨﮩﯢﱇﰾﭯ ﰴﰠﮉﯚﮩ ﭟﮤﯠﱈﭶﰠﭧﮩ ﭓﭔﭩﱉﭺﰰﮣﮩﯞﯸﮀﰘ ﯢﮥﭟﯾﮊﮥﭔ ﭩﰠﯜﰴﭙﰚﯜﭺﰰﮡﭓﭘ ﭓﭔﭩﰒﯳﭭﮞﮡﭤﮟﮞ ﱊﮣﭔﭔﮏﱅﰹﮩﭰﱇ ﭖﮢﱊﱉﯼﰠﯚﮩﮟﮊ ﭲﮙﰠﰗﯫ ﭓﭔﭩﮊﯹﭔﯹﰕ ﭵﮣﮛﱇﮡﰙﯤﱍ ﭙﰟﭩﮣﯟﱇﮛﰞﭾﱇ ﮢﮥﭓﭔﯢﱇﯨﰴﭕﱉﮗﰰﭾ ﭲﮙﰠﮐﮪ ﭓﭔﭩﮇﯹﭺﮩﯞﮤﰋﭾﰠ ﭩﮣﰹﮩﭭﰀﮗﰰﭿﱄ ﯕﮟﰂﱅﭣﰵﯞﰴﮢﮒﮤ ﰙﰡﰝﰘ  . ويُروى أن أقوامًا من العرب العماليق سكنوا وادي مكة منذ القِدَم قبل هجرانه  ،  ثم تلاهم - بعد انقطاع كبير - بعض بطون بني جُرْهُم القحطانية الذين كانوا في طريق هجرتهم شمالاً طلبًا للماء، وعاش إسماعيل عليه السلام وأمه، ثم أولاده من بعده؛ بين ظهرانَي الجراهمة، ولم تلبث جُرْهُم أن فقدت سدانة البيت نتيجةً لعوامل كثيرة، ووصلت خُزاعة (من عرب اليمن الأزدية) إلى الزعامة في مكة مع نهايات القرن الثالث الميلادي تقريبًا؛ وقيل في أسباب ذلك وكيفيته آراء كثيرة، كما شهدت هذه الفترة تحوُّلاً من حنيفية إبراهيم عليه السلام إلى عبادة الأصنام  . 
ومع منتصف القرن الخامس الميلادي على وجه التقريب   ظهرت شخصية قصي بن كلاب مؤسس الكيان القرشي؛ الذي استطاع - بذكائه الحاد ومساندة كنانة له   - حيازة سدانة البيت والسيادة على وادي مكة معًا. وقد استقرت منذ عهده تنظيمات فريدة في قريش تتعلق بأساليب الحكم والقيادة ونظمهما، مع تبنِّيه كثيرًا من أطر الشورى، وتقسيم أوجه السيادة والشرف الفعلية والاسمية في مختلف المجالات.ولا ريب في أن وجود البيت الحرام في مكة فرض على أكثر أهلها تمسُّكهم بحرمة المال والدم عن سواهم من القبائل  ،  فصرفوا جهدهم إلى ما يبتغون من ورائه طَيِّب الكسب، بعيدًا عن السلب والنهب؛ ما أدى إلى رفع مكانة قريش بين العرب، وعلو كلمتها بينهم. وزاد من الأهمية التجارية لمكة وقوعها على الطريق الرئيسة لتجارة اللبان والتوابل وغيرها من الخامات الثمينة  ،  فضلاً عن رحلاتها السنوية إلى اليمن شتاءً والشام صيفًا، والتي تمتعت بالأمان الكامل في إطار إيلاف قريش الشهير وحلفها.
وهكذا أصبحت مكة آنذاك واسطة العقد لكثير من المدن والقرى في غرب المملكة عامة، فقد تحولت إلى مدينة أم (Metropolis) بالمصطلح الإغريقي، بل أصبحت كما كانت أثينا بين مدن أتيكا ومواقعها في بلاد اليونان، وهكذا سمَّى أصدق القائلين مكة في كتابه الكريم بـ (أم القرى)، فمكة لم تأخذ مثل غيرها من المدن والممالك المهمة في الجزيرة العربية بنظام دويلات المدن (City - States)، وإنما كانت أشبه ما تكون بدولة مؤسسات بالمعنى الحديث، فلم ينفرد بحكمها بعد قُصي رجل واحد، حتى إن محاولة البطريق   عثمان بن الحويرث - مدعومًا من بعض ملوك الشام، بل من قيصر الروم ذاته - للتملك عليها صرعتها مقولة بعض الحكماء من قريش: "إن قريشًا لقاحٌ لا تَملك ولا تُملك"  . 
لقد كانت الفعاليات والأحداث التي تجري أو يتم تناقل أخبارها من حول بيت الله الحرام تتحول إلى حوارات في دار الندوة   بين كبراء مكة وسادتها، ثم يصدر قرارهم بتوافقهم   وليس بالضرورة بإجماعهم، ويكون ساريًا ومُلزِمًا، وهكذا كانت مكة لمدة قاربت قرنين من الزمان فريدة بين بلدان العرب ومدنهم في كل شيء.
ومن بين المواقع الاستيطانية المهمة في المنطقة تبرز الطائف التي سُميت باسم السور الذي بناه بنو ثقيف ليطوفوا بها ويحموها  .  وتشير آثار جبل العرفاء (شمال شرق الطائف) إلى أن الموقع شهد استيطانًا قديمًا. وتُنبئ النقوش الصخرية في أرجاء الموقع عن استمرار سكناه في فترة نهايات الألف الثالث قبل الميلاد، وتدل النقوش الثمودية من الموقع نفسه على تواصل الاستيطان خلال القرون السابقة للإسلام  ،  كما تشير أيضًا تلك الرسوم الصخرية من عصور ما قبل الإسلام إلى كثافة الاستيطان في مواضع كثيرة بالطائف منها: ضرس ماضب، ووادي مريع.
لقد كانت الطائف منذ القِدَم منطقة زراعية متميزة، سُوِّيت مدرجاتها الجبلية واستُصلحت لزراعة مختلف الأنواع من الثمار والفاكهة، وهذا ما تُنبئ عنه تلك السدود القديمة، ومن أهمها سد السملقي الضخم بوادي ثمالة جنوب الطائف  ، وهو سد ضخم بُني من كتل الأحجار، طوله نحو 200م وسمكه نحو 10م  ،  ويُعد شاهدًا واضحًا على دأب المجموعات البشرية التي استوطنت المنطقة منذ أقدم العصور، فقد عملت على الاستفادة من مقدَّراتها ومعطياتها البيئية والطبيعية؛ ومن أهمها المياه.
سكن منطقة الطائف - منذ نهاية الألف الثاني، أو بداية الألف الأول قبل الميلاد، وحتى البعثة النبوية في القرن السابع الميلادي - كثيرٌ من بطون القبائل العربية بالتعاقب  ،  بدءًا من بني قينان، ثم بطون من الثموديين، ثم من قبيلة إياد... وغيرهم، وصولاً إلى بني ثقيف الذين أشرق الإسلام على الدنيا وهم أكثر أهل الطائف.
 
شارك المقالة:
79 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook