العهد الأموي والإسلامي الوسيط بمنطقة نجران في المملكة العربية السعودية.
الوضع السياسي بعد العهد الراشدي
ساد الاضطراب شبه الجزيرة العربية بعامة، وبلاد نجران بخاصة بعد انتهاء عصر الخلفاء الراشدين، وأهمل ذكرها في طيات المصادر، واستمر ذلك الإهمال والنسيان خلال العصر الإسلامي الوسيط، ولعل ذلك يرجع إلى عدد من الأسباب يأتي في مقدمتها انتقال حاضرة الخلافة الإسلامية، ومركز الثقل السياسي والزعامة من الحجاز إلى خارجه، أي من المدينة إلى خارج شبه الجزيرة العربية، حيث انتقلت العاصمة أولاً إلى دمشق ببلاد الشام، ثم إلى بلاد العراق، وقد أدى انتقال السلطة المركزية، والزعامة السياسية، إلى خارج الجزيرة العربية إلى ظهور عدد من المشكلات والعقبات السياسية التي كان لها انعكاسها على النواحي الحضارية، منها:
تقلص الدور السياسي لشبه الجزيرة العربية التي تحولت أجزاؤها جميعها إلى مجرد ولاية عادية ضمن ولايات الدولة الإسلامية، بعد أن كانت مقرًا للسلطة المركزية في عصري الرسالة والخلافة الراشدية، ولم تعد تشكل أهمية عند خلفاء بني أمية وبني العباس، فيما عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة فقد ظلت لهما مكانتهما الدينية والسياسية في هذين العصرين؛ لكونهما مقرَّين للحرمين الشريفين؛ بما لهما من مكانة مقدسة في نفوس المسلمين، كما أن السيطرة عليهما، والقيام على خدمتهما، وإسباغ الحماية عليهما، تحوز الرضا والتأييد السياسي والروحي من عامة المسلمين وخاصتهم، فترتفع بذلك مكانتهم، وبالتالي تتحقق المكاسب السياسية لأولئك الساسة؛ لكونهم رعاة المقدسات.
أما أجزاء شبه الجزيرة العربية الأخرى خلاف مدن الحجاز المقدسة فقد أصبحت منذ عصري بني أمية وبني العباس، وعلى مر القرون الإسلامية الوسيطة هامشية تحت مظلة تلك الحكومات، فلم تعد لها الأهمية نفسها والقدر الذي كانت عليه في عصري الرسالة والخلفاء الراشدين، وذلك يعود في رأينا إلى البعد الجغرافي لمعظم أجزاء الجزيرة العربية عن الحاضرة السياسية للدولة الإسلامية ويرجع أحيانًا إلى صعوبة التضاريس، ما أثر على سهولة الاتصالات فيما بين تلك البقاع والعاصمة، وهذان السببان نلاحظهما في بلاد اليمن، ونجد، والسروات التي تعد نجران جزءًا منها.
وإذا ما سعينا إلى تقديم دراسة تاريخية حضارية لبلاد نجران خلال هذه الفترة فإن الأمر يزداد غموضًا؛ لأن العقبات المذكورة أعلاه تكاد تشمل أغلب نواحي شبه الجزيرة العربية باستثناء بلاد الحجاز إلى حدٍّ ما. وأغلبها يعالج موضوع الثورات وحركات العصيان السياسي التي شهدتها أرجاء شبه الجزيرة العربية على وجه العموم، والمناطق الغربية والجنوبية الغربية منها بخاصة التي تأتي نجران وما يجاورها ضمنها، وبالتالي يمكننا أن نرجح أنه قد ساد هذه المنطقة ما ساد غيرها من مدن الحجاز الكبرى وحواضرها من فتن سياسية، وتأثرت بها، ولعل من أبرز تلك الفتن والحركات السياسية ما يأتي:
1 - ثورة أبي حمزة الخارجي:
ويدعى المختار بن عوف الأزدي السلمي، ومستقره في مدينة البصرة بالعراق، وكان معاصرًا للخليفة الأموي مروان بن محمد 127 - 132هـ / 744 - 749م الذي اعتاد ارتياد مكة المكرمة في كل مواسم الحج لنشر مذهبه الخارجي، وتحريض الناس على الفتنة؛ بغية القضاء على الخلافة الأموية، وخلع مروان بن محمد، وفي عام 128هـ / 745م التقى برجل من حضرموت يدعى عبدالله بن يحيى الكندي، وقد اقتنع ذلك الأخير بدعوته، ودعاه للذهاب معه إلى حضرموت لنشر دعوته بين قومه، وأشارت بعض المصادر إلى أن الكندي رغّبه في ذلك بقوله: " إنني رجل مطاع في قومي فاذهب معي إلى بلادي لتجد النصرة والمنعة"، وبالفعل استحسن أبوحمزة الرأي، وخرج بصحبة الكندي إلى بلاد حضرموت، حيث استطاع أبوحمزة نشر أفكاره، ودعا بالخلافة إلى عبدالله بن يحيى الكندي الذي تلقب بـ "طالب الحق"، ثم اجتمع من حولهما عدد كبير من بلاد حضرموت وما حولها، فتكون لهما جيش كبير توجها به إلى مدينة صنعاء فاستولوا عليها، وطردوا عمال بني أمية منها، ثم امتد نفوذهما حيث خرج أبوحمزة الخارجي على رأس جيش قوامه ألف رجل فعبر بلاد صعدة، ونجران، والسروات حتى دخلوا مكة، فاستولوا عليها وواصلوا طريقهم شمالاً إلى المدينة فاستطاعوا السيطرة عليها ، ووصلت أخبار تلك الحركة الخارجية واستيلائها على أغلب بلاد اليمن والحجاز إلى الخليفة مروان بن محمد فأعد جيشًا قوامه أربعة آلاف مقاتل، وأسند قيادته إلى عبدالملك بن عطية السعدي، عام 130هـ / 747م الذي خرج على رأس هذا الجيش قاصدًا المدينة المنورة، ونجح في إلحاق الهزيمة بأبي حمزة الخارجي الذي فر إلى مكة المكرمة فلحق به ابن عطية إلى هناك ليهزمه للمرة الثانية، ويتمكن من قتله، وتشتيت شمل أنصاره، وأرسل خبره إلى مروان بن محمد، يبشره بالنصر وقهر الخوارج
أما أنصار الخارجي فقد عاد من نجا منهم إلى صنعاء مرورًا بالسروات وأجزاء من بلاد نجران، وأخبروا طالب الحق بالهزيمة، فخرج على رأس مجموعة من أنصاره إلى أرض نجران، وبيشة، والسروات، ومنها اتجه إلى الطائف ليأخذ بثأر أبي حمزة ورجاله، ويمنع زحف الجيش الأموي على اليمن، فالتقى بأبي عطية في نواحي الطائف، حيث ألحق القائد الأموي الهزيمة بطالب الحق، وقتله مع كثير من رجاله، ومزق الخوارج كل ممزق، ولم ينجُ إلا من لاذ بالفرار إلى صنعاء، وتشير المصادر إلى تفاصيل المعركة حيث تذكر صمود الخوارج وذودهم عن أنفسهم ببسالة إلى أن تمكن الأمويون من زعيمهم (طالب الحق) فقتلوه، عندئذٍ فتَّ في عضدهم وهزموا
لم يكتفِ ابن عطية بالقضاء على الخوارج في الحجاز، وقتل أبي حمزة، وطالب الحق، بل رأى ضرورة استئصال شأفتهم بالكلية من بلاد اليمن، فتوجه عبر بلاد السراة حتى وصل نجران، ثم صنعاء فغادرها أتباع طالب الحق، وما زال ابن عطية يلاحقهم في كل صقع من أصقاع اليمن حتى قتلهم وأبادهم
2 - تتابع الفتن وحركات المعارضة ضد الخلافة العباسية:
كانت الحجاز وبلاد اليمن، ومنطقة نجران مسرحًا لعدد من هذه الثورات، ولا سيما ثورات العلويين الذين كانوا من أكثر العناصر معارضة، حيث أثاروا عددًا من القلاقل في وجه بني العباس، وهددوا استقرار الخلافة وسيطرة عمالها في تلك البلاد
حيث تشير المصادر إلى أن العلويين وجدوا في نشوب الصراع بين الأمين والمأمون، فرصة سانحة لنشر دعوتهم في البلاد، فخرج على المأمون محمد بن إبراهيم العلوي المعروف بابن طباطبا بالكوفة عام 199هـ / 814م وصار يدعو إلى آل الرضا من آل محمد، وعاونه في نشر دعوته قائد جنده أبوالسرايا بن منصور الشيباني الذي استولى على الكوفة، وطرد ولاة بني العباس منها ، وعندما توفي محمد بن إبراهيم ولّى أبوالسرايا مكانه غلامًا من العلويين يدعى محمد بن محمد بن يزيد، ثم أرسل ولاة من العلويين إلى مكة والمدينة وجنوبي الجزيرة، ومن بينها نجران، وكان داود بن عيسى بن موسى واليًا على أمور مكة والمدينة من قِبل الخلافة العباسية، حينما وجه أبوالسرايا إلى مكة حسين بن حسن الأفطس العلوي، وإلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب فدخلوها دون قتال، وقد شجع ذلك بعض العلويين بزعامة إبراهيم بن موسى بن جعفر وجماعة من أهل بيته بمكة على مد الثورة إلى بلاد السراة فشملت الطائف وامتدت حتى وصلت إلى بيشة، وجرش، ونجران، وصنعاء دون مقاومة تذكر، حتى إن إسحاق بن موسى بن عيسى بن عباس والي اليمن من قِبل المأمون عندما سمع بقدوم إبراهيم بن موسى فرّ هاربًا . وتذكر المصادر أن إبراهيم بن موسى نكل بكل من اعترض طريقه، وأسرف في القتل حتى لُقِب بالجزار، واستولى على كثير من الأموال والذخائر خلال الطريق من الحجاز إلى نجران ثم صنعاء
وبعد أن تمت السيطرة للعلويين على جنوبي الجزيرة العربية، رغب إبراهيم بن موسى في العودة إلى مكة والمدينة لإحكام السيطرة عليهما فخرج من اليمن قاصدًا الحجاز عبر بلاد نجران، وجرش، وبيشة حتى وصل إلى مكة، ولكن لم يستطع السيطرة عليها، حيث سبقه الخليفة المأمون بإرسال جيش كبير إليها عام 200هـ / 815م بقيادة إسحاق بن هارون الرشيد لحفظ الأمن في الحرمين، وقمع أي بادرة للفتنة والعصيان، وتصدى هذا الجيش لإبراهيم بن موسى وألحق به الهزيمة، وفرّق جموعه فعاد إلى إبراهيم مهزومًا، وضاعت هيبته؛ بعد هزيمته، ومقتل أبي السرايا في بلاد العراق على يد جيش عباسي آخر، لتنتهي أحداث هذه الثورة التي كادت تفصل بلاد الحجاز، وجنوبي الجزيرة العربية ومنها نجران عن الخلافة العباسية
وعلى الرغم من تعاطف الخليفة المأمون مع العلويين، إلا أن عهده شهد عددًا من الانتفاضات العلوية الأخرى، ففي سنة 207هـ / 822م خرج عبدالرحمن بن علي بن أبي طالب في بلاد عك باليمن يدعو إلى آل الرضا من آل محمد، وأيده اليمنيون الذين رأوا فيه منقذًا لهم من ظلم الولاة العباسيين وبطشهم . ولما علم المأمون بنبأ هذه الثورة أنفذ إليهم دينارًا بن عبدالله في عسكر كثيف العدد لقمع تلك الثورات، وأمره أن يمنح الزعيم العلوي أمانًا إذا كف عن العصيان، ولما رأى الثائر العلوي ألا قِبَل له بجند المأمون، قبل الأمان وجنح إلى السلم والموادعة، ووضع يده في يد دينار الذي أرسله إلى المأمون فأكرمه وعفا عنه
وقد أثار بعض الولاة العباسيين وعناصر أخرى غير علوية اضطرابات في بلاد الحجاز واليمن، فقد عزل الخليفة المأمون حمدويه بن عيسى بن ماهان عن بلاد اليمن، واستناب عنه في حكمه عيسى بن يزيد الجلودي ، ولما علم ابن ماهان بمقدم الجلودي إلى اليمن رغب في صده عنها والاستقلال بها، فأعد العدة لمنع الجلودي من دخولها، ولكن الجلودي هزم جيش ابن ماهان واستولى على نجران وصعدة، ودخل صنعاء وقبض على ابن ماهان وسجنه وسيطر على البلاد، وعهد إلى عمال من قِبله بحكم مخاليف جنوبي الجزيرة العربية؛ ومن بينها نجران، وترك عليها إبراهيم الإفريقي الشيباني ، ثم عاد إلى العراق مرورًا بالحجاز، ولكن الاضطرابات عادت من جديد في تلك الجهات، وبشكل هدد استقرار الأمور هناك الأمر الذي دفع الخليفة المأمون إلى التفكير في فصل تهامة عن المرتفعات، ووَضْعِ والٍ مستقل عليها، يضبط أمورها، وينشر الأمن والاستقرار في ربوعها، فوجد ضالته في أحد قواده ويدعى محمد بن عبدالله بن زياد فعهد إليه بولاية تهامة وما يتبعها لتبدأ منذ تلك الفترة النـزعة الانفصالية تسري في أنحاء شبه الجزيرة العربية، فبعد أن ظلت المنطقة المذكورة طوال عهد الرسالة والخلافة الأموية حتى أوائل القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، تابعة بالكلية للخلافة الإسلامية التي عمدت إلى تقسيمها إلى عدد من الولايات ليسهل الإمساك بزمامها، مثل: الحجاز، واليمن، واليمامة، والبحرين نجدها منذ السنوات الأولى من القرن الثالث حتى العاشر الهجريين / التاسع حتى السادس عشر الميلاديين تتأثر بالنـزعة الاستقلالية التي سرت في غالبية أصقاع العالم الإسلامي المترامية الأطراف التي صعب على الخلافة العباسية أن تسيطر عليها سيطرة مركزية، فبدأت تسمح بظهور دويلات مستقلة عنها سياسيًا، وتابعة لها اسميًا وروحيًا، وإن كانت بعض الزعامات المحلية قد انتهزت فرصة الضعف الذي أصاب نظام الخلافة العباسي في عصره الثاني، وما صاحبه من تردي قوة الخلافة، فاستقلوا سياسيًا وإداريًا وبشكل كامل عن العباسيين. ونجران تأثرت بتلك التيارات السياسية مثلها مثل عموم أجزاء الجزيرة العربية، فنشأت بها دولة بني زياد - كما أسلفنا - في تهامة اليمن وما تبعها بدءًا من عام 203هـ / 818م؛ وهي أول دولة مستقلة تنشأ هناك بعد انفصال بعض بلاد اليمن عن الحكم العباسي ، وتلتها الدولة اليعفرية في صنعاء عام 225هـ / 839م ، ثم الدولة الزيدية في صعدة عام 284هـ / 897م ، ثم الدولة الإسماعيلية الأولى وكان علي بن الفضل القرمطي الحِمْيَري، ومنصور بن حسن الكوفي هما اللذان قدما إلى تلك الجهات؛ بهدف نشر المذهب الإسماعيلي هناك
ورغم سريان النـزعة الانفصالية في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، إلا أن الأمور لم تهدأ، ولم تستقر أحوال تلك الدول الوليدة، بل تتابعت حركات التمرد والعصيان، وشاعت الحروب، فبعد ظهور الإمام الهادي يحيى بن الحسين في صعدة عام 284هـ / 897م وتأسيس دولته الزيدية سعى إلى مد نفوذه إلى المناطق التي تحكم ذاتها بصفة مستقلة، مثل: صنعاء جنوبًا، ونجران شمالاً، وقد وجد في بلاد نجران من يعضده، ويقف إلى جانبه ويسهل له مهمة السيطرة عليها، ومنذ ذلك الوقت وعلى مر العصور الإسلامية الوسيطة تزايدت محاولات دولة الأئمة الزيدية لحكم منطقة نجران، ولكنهم ما إن تنفر جيوشهم منها عائدة في طريقها إلى صعدة، حتى تقوم ثورات أهل نجران ضد ولاة الدولة الزيدية، وينجحون في إخراجهم وأنصارهم منها.
وهكذا ظلت الأمور في نجران طوال القرون الإسلامية الوسيطة: قلق واضطرابات وحروب داخلية بين الزيدية وأهل نجران، ورغم طول المدة وتعدد الحروب والثورات والصراعات بين الأئمة الزيدية وأتباعهم مع أهل نجران، وإحراز الزيديين عددًا من الانتصارات عليهم، إلاّ أنهم لم يستطيعوا ترسيخ مبادئهم ومذهبهم الزيدي فيها، حيث بقي معظم سكان نجران على المذهب السني الشافعي الذي كانوا عليه من قبل، واستمروا كذلك خلال القرون الإسلامية المبكرة والوسيطة
ويتحدث ابن المجاور في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي عن أهل نجران وغيرهم من أهل البلاد الممتدة من صنعاء جنوبًا إلى مكة المكرمة شمالاً، فيقول:" يحكم على كل قرية (عندهم) شيخ من مشايخها كبير القدر والسن، ذو عقل وفطنة، فإذا حكم بأمر لم يشاركه ولم يخالفه أحد فيما يشير به عليهم ويحكم فيهم... "
وهكذا كانت القبيلة تمثل قمة الهرم الإداري والسياسي المحلي في نجران وغيرها من بلدان شبه الجزيرة العربية خلال العصر الإسلامي الوسيط، وقد استمرت الحياة العامة بهذه الصورة عند بعض القبائل والعشائر البعيدة عن السلطة الإدارية الموجودة في بعض مدن شبه الجزيرة العربية وقراها.