حكم محمد علي في المملكة العربية السعودية

الكاتب: ولاء الحمود -
حكم محمد علي في المملكة العربية السعودية

حكم محمد علي في المملكة العربية السعودية.

 
 
لقد وقع السلطان العثماني في حرج شديد نتيجة ضم الدولة السعودية الأولى للحرمين الشريفين ومنع الدعاء في الخطبة فيهما له، وبخاصةٍ أنه يحمل لقب (خادم الحرمين الشريفين) وأن للحجاز وأمكنته المقدسة أهمية كبيرة لدولته خلال تلك الفترة. ولذلك عزم السلطان على استرداد الحرمين مهما كلفه الأمر، فكلف ولاته في العراق والشام بالقيام بتلك المهمة، وحين فشلوا في ذلك ألقى بالمهمة إلى واليه الجديد في مصر منذ عام 1222هـ / 1807م، وبعد أربع سنوات من الاعتذار والتردد، قرر محمد علي باشا، والي مصر إرسال أولى حملاته إلى الحجاز  .  وقد ترتب على قدوم حملة محمد علي والعثمانيين برًا وبحرًا من مصر أن أصبحت المدينة المنورة وينبع، باستثناء الفترة التي جاء خلالها محمد علي باشا لقيادة قواته بنفسه في الحجاز، القاعدتين اللتين تنطلق منهما قوات محمد علي والقوات العثمانية للاستيلاء على الحجاز ونجد والأحساء حتى عام 1256هـ / 1840م.
 
وبعد أن تغلب والي مصر على مشكلاته الداخلية وثبت سلطته في مصر واستكمل استعداداته المالية والعسكرية اللازمة لحملة الحجاز، أرسل طلائع تلك الحملة تحت قيادة ابنه طوسون في صيف عام 1226هـ / 1811م  .  وقد وصلت الحملة المكونة من ثمانية آلاف من الفرسان والمشاة إلى ينبع واستولت عليها بعد مقاومة خفيفة، بسبب تواطؤ الشريف غالب الذي كان يسيطر على الميناء مع الباشا  .  وبعد أن تكاملت قواته البرية والبحرية قرر طوسون وحلفاؤه من قبائل شمالي الحجاز الاستيلاء على ينبع النخل،  فانضم مسعود بن مضيان شيخ حرب إلى جابر بن جبارة شيخ جهينة وأمير ينبع النخل لمواجهة قوات محمد علي والقوات العثمانية، لكنهم تلقوا هزيمة عنيفة في أواخر شهر شوال 1226هـ / نوفمبر 1811م، واستولى طوسون على بلدة السويق قاعدة ينبع النخل وهرب منها ابن جبارة  
 
تقدم طوسون بقواته من ينبع النخل في اتجاه المدينة المنورة واستولى في طريقه على بلدة بدر، وكان الإمام سعود قد أمر أتباعه من أهل نجد وعسير والحجاز وتهامة بالتوجه إلى نواحي المدينة تحت قيادة ابنه عبد الله، وقد كمن هذا الجيش الذي قدر عدده بثمانية عشر ألفًا من المشاة وثمانمئة فارس في قريتي الخيف والجديدة وجبال وممرات وادي الصفراء الضيقة في طريق قوات محمد علي إلى المدينة  .  ولما وصل طوسون بقواته إلى قريتي الخيف والجديدة عند أضيق نقطة في وادي الصفراء في منتصف ذي القعدة انهالت عليه القوات السعودية من سفوح الجبال، واستمرت المعارك مدة يومين أو ثلاثة، انهزمت على إثرها عساكر محمد علي والعثمانيين هزيمة شنيعة، وفر العسكر هاربين إلى ينبع وتركوا أسلحتهم وذخائرهم وخيامهم ومؤنهم، وفقد طوسون أكثر من نصف جيشه بالقتل والعطش والجوع والتعب، وكان من حسن حظه أن القوات السعودية لم تتعقبه، بل جمع الأمير عبد الله مقاتليه وتوجه بهم إلى مكة المكرمة لأداء الحج  
 
كتب طوسون إلى أبيه يبلغه بما حدث ويطلب منه الإمداد بالجند والمؤن والسلاح والمال، وكان الباشا يدرك أن مصيره في مصر يتوقف على نجاحه أو فشله في هذه الحرب، كما كان يدرك أن نجاح هذه الحملة يعتمد على استمالته للقبائل المحيطة بالمدينة، ولذلك اجتهد في توفير ما يحتاج إليه طوسون من الجند والسلاح والذخيرة ومقادير كبيرة من المال ليكسب بها شيوخ تلك القبائل، وأرسل تلك الإمدادات مع خازنداره أحمد نابرت الذي أشركه مع طوسون في قيادة الحملة، وقد تمكن طوسون وقواته من عبور مضيق وادي الصفراء من دون مقاومة، ووصل إلى المدينة في منتصف شوال 1227هـ / أكتوبر 1812م وفرض عليها الحصار  
 
كانت ترابط في قلعة المدينة المنورة حامية سعودية كبيرة تتألف من سبعة آلاف مقاتل، وقد اعتمد الإمام سعود - فيما يبدو - على انتصار قواته في الصفراء وحصانة قلعة المدينة  وكبر حاميتها، فتوجه هو وعدد كبير من رعاياه إلى مكة المكرمة لأداء نسك الحج في الوقت الذي كانت قوات محمد علي والعثمانيين تحاصر المدينة  .  وقد حاصرت عساكر محمد علي وعساكر العثمانيين المدينة نحو شهر، وسلطوا على القلعة المدافع ورموها بالقنابل وحفروا السراديب تحت أسوارها ووضعوا فيها الألغام وقطعوا عن الحامية المياه، ففشت بينهم الأمراض ونفدت مؤونتهم فاضطروا إلى طلب الأمان  .  منح أحمد نابرت للحامية الأمان على أرواحهم وأمتعتهم وتعهد بتزويدهم بجمال تنقلهم إلى بلدانهم، لكنهم حين خرجوا من القلعة لم يجدوا سوى خمسين جملاً، فاضطروا إلى حمل ما خف من أمتعتهم على ظهورهم، ولم يكادوا يجتازون بساتين المدينة حتى غدر بهم نابرت، فأمر جنوده بقتلهم ونهبهم، ولم ينج منهم إلا من كان راكبًا جملاً وهرب عليه، وقد فني أربعة آلاف من السبعة آلاف الذين كانوا يشكلون الحامية  
 
ويذكر بوركهارت أن حسن القلعي دخل في مفاوضات مع طوسون ونابرت، وانضم إليهما حينما وصلا إلى أسوار المدينة وقدم لهما المساعدة في مقابل بقائه في منصبه، فقلده نابرت أوسمة التشريف. ولكن بعد الاستيلاء على القلعة والقضاء على الحامية تم اعتقاله وإرساله إلى القاهرة ثم إلى إستانبول حيث قتل هناك  .  أما مسعود بن مضيان فقد تحصن في قلعة له خارج المدينة مع أسرته وأربعين من أتباعه، وبعد أن دخلت قوات محمد علي والعثمانيون المدينة قرر الاستسلام وطلب الأمان لنفسه وأبنائه وأتباعه فأعطي ذلك، ولكن بعد الاستيلاء على القلعة والقضاء على الحامية ألقى العثمانيون القبض عليه وقتلوا أبناءه وأتباعه ونهبوا أمواله وأرسلوه إلى إستانبول حيث قتل  .  وكان للاستيلاء على المدينة المنورة أثر عظيم على والي مصر والسلطان العثماني، فحين وصلت الأخبار بذلك إلى القاهرة ثم إلى إستانبول أقيمت احتفالات عظيمة في المدينتين دامت عدة أيام  
 
بعد أن علم الإمام سعود بسقوط المدينة في يد قوات محمد علي والعثمانيين، وأدى هو وأتباعه مناسك حج عام 1227هـ / 1812م، أخـذ العهود على الشريف غالب بعدم الخيانة، وأقام حامية في مكة المكرمة وأمر ابنه عبد الله وجمعًا كبيرًا من المقاتلين بالإقامة في وادي مر (وادي فاطمة)  القريب من مكة المكرمة ورجع إلى الدرعية  .  أما الشريف غالب فقد اتصل بطوسون وتعهد بالتعاون معه لدخول قواته جدة ومكة المكرمة، وفي بـداية عام 1228هـ / 1813م، أرسل طوسون فرقة من جيشه للاستيلاء على جدة ومكة المكرمة بناء على ذلك، عندها اضطر الأمير عبد الله للانسحاب بقواته إلى العبيلاء ومنها إلى الخرمة، ما سهل على قوات طوسون الاستيلاء على الطائف بتعاون من أمير مكة  .  أما على الجبهة الشمالية فقد أراد طوسون إبعاد الخطر عن المدينة المنورة، فبعث بثلاثمئة فارس بقيادة عثمان كاشف للتمركز في الحناكية الواقعة على بعد ثمانين كيلومترًا إلى الشرق على طريق القصيم.
 
أنعم السلطان على طوسون برتبة باشوية جدة نظير خدماته، وأرسل إلى المدينة المنورة قاضيًا عثمانيًا وشيخًا للحرم النبوي، فتوجه طوسون باشا إلى مكة المكرمة للإشراف على قواته هناك، حتى يكون في استقبال والده الذي قرر الحضور إلى الحجاز لقيادة قواته بنفسه، وقد عين طوسون محمد أفندي، (ديوان أفندي) كاتب والده حاكمًا على المدينة المنورة  ،  حيث ظلت حكومة المدينة بيده، واقتصرت سلطة شيخ الحرم النبوي على الأمور الدينية والمالية والإدارية للمسجد النبوي، وكان من الشخصيات المهمة في المدينة في ذلك الوقت، إلى جانب حاكم محمد علي على المدينة والقاضي العثماني وشيخ الحرم، كبير الأشراف أو شيخ السادة، أما أمير مكة المكرمة فلم يعد له أي ممثل أو نفوذ في المدينة المنورة  
 
وقد أسهم إعادة إرسال الأموال والهدايا والمخصصات المرصودة للحرمين الشريفين والفئات الاجتماعية المختلفة في المدينة، ونمو الحركة التجارية الناتجة عن كل ذلك، ووجود قوات محمد علي والعثمانيين في الحجاز، أسهم كل ذلك في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لسكان المدينة المنورة، كما نتج من تتابع وصول الفرق العسكرية من مصر إلى ينبع والمدينة المنورة، وما يصاحبها من خدم ومساعدين وأصحاب حرف وتجار وزوار، استيطان أعداد كبيرة من المصريين والمغاربة في هاتين المدينتين، وبقاء بعضهم فيهما حتى بعد انتهاء الحملات العسكرية.
 
وصل محمد علي باشا إلى جدة في أوائل رمضــان 1228هـ / 1813م، بعد أن أرســل أمامه أربعة آلاف من المشاة والفرسان وثمانية آلاف من الإبل ومقادير من السلاح والذخيرة  .  وقد انشغل الباشا بعد وصوله إلى الحجاز بتنظيم أوضاع قواته في المنطقة، والقبض على الشريف غالب بن مساعد ونفيه، وإرسال الحملات ضد أتباع الدولة السعودية في جنوبي الحجاز، وأهمل الجبهة الشمالية حول المدينة  .  وفي جمادى الآخرة 1229هـ / 1814م وصل الشيخ جزا   أحد شيوخ حرب إلى المدينة المنورة لمقابلة الديوان أفندي حاكم البلدة، وبعد أن مل الشيخ جزا من النقاش الطويل مع القائد العثماني صاح على مسمع من الحضور في المجلس: وسرد أفضاله وقبيلته عليه وعلى جيش محمد علي، ما عده الحاكم العثماني إهانة عظيمة لا يمكن تحملها، فشتم الشيخ جزا وصفعه وقيده، وفي اليوم التالي زعم أن الشيخ قتل نفسه وأنه على علاقة بالسعوديين  
 
لقد أثار مقتل الشيخ جزا قبائل حرب الشماليين، فأقفلوا مضيق وادي الصفراء وقطعوا طريق الإمدادات بين ينبع والمدينة، وأخذوا في مهاجمة حاميات محمد علي الذي أسرع لإصلاح ما أفسده حاكم المدينة، فأرسل ابنه طوسون إلى المدينة المنورة لتهدئة الأوضاع، ولما وصل طوسون إلى بدر لم تسمح له حرب بالعبور وطالبوه بقتل قاتل شيخهم، وكان من حسن حظ طوسون وأبيه أن مات الديوان أفندي في هذا الوقت، فزعم طوسون أن أباه أمر بقتله عقابًا له، وتمكن طوسون بعد ذلك من ترضية (الحروب) بدفع دية شيخهم وتوزيع الهدايا على الشيخ الجديد وصغار الشيوخ، ثم وصل إلى المدينة المنورة في ذي القـعـدة 1229هـ / 1814م وبصـحـبته خمسمئة فارس وثلاثمئة من المشاة، وعلى الفور أرسل طوسون الفرسان إلى الحناكية على طريق القصيم  
 
لقد منيت الدولة السعودية في هذه الفترة بخسارة جسيمة تمثلت في القبض على عثمان المضايفي أمير الطائف والحجاز وأبرز قادة تلك الدولة في الحجاز في رمضان عام 1228هـ / 1813م، ووفاة الإمام سعود في جمادى الأولى 1229هـ / 1814م، وقد سـهل غياب هذين الرجلين مهمة محمد علي باشا الذي أحرز انتصارًا حاسمًا على القوات السعودية في معركة بسل شرقي الطائف في بداية عــام 1230هـ / 1815م، اجتـاح بـعــدها جنوب الحجاز وعسير وتهامة ثم عاد إلى مكة المكرمة مسيطرًا بذلك على غربي جزيرة العرب  .  وفي الوقت الذي كان فيه الباشا يحرز انتصاراته على الجبهة الجنوبية، كان ابنه طوسون يعد نفسه في المدينة المنورة لإحراز انتصارات مماثلة على الجبهة الشمالية، وقد شجعه على ذلك بعض رؤساء القصيم الذين زاروه في المدينة وتعهدوا بمساندته حينما سمعوا بانتصارات أبيه في الجنوب وخافوا من أن يلقوا المصير نفسه، فأرسل جماعات من الفرسان إلى بعض بلدان القصيم  
 
على الرغم من عدم توفر العساكر والمؤن والجمال الكافية للقيام بحملة إلى داخل الصحراء، وربما عدم موافقة محمد علي باشا على هذه الحملة في هذا الوقت، خرج طوسون من المدينة على رأس سبعمئة من الفرسان والمشاة وأربعمئة جمل تنقل مؤنهم في ربيع الثاني 1230هـ نهاية مارس 1815م متوجــهًا إلى الحناكية ومعه عدة مئات من رجال القبائل، تاركًا خازنداره الإسكتلندي توماس كيث (Thomas Keith) - الذي كان قد أسلم وتسمى إبراهيم آغا وأصبح من كبار ضباطه - حاكمًا للمدينة المنورة  .  وخلال وجود طوسون باشا في الحناكية وصل والده إلى المدينة المنورة فجأة، وأرسل يطلب من ابنه العودة إلى المدينة للتشاور في أمر الحملة على القصيم، لكن طوسون بدلاً من الانصياع لأوامر أبيه تقدم بمن معه من الجنود إلى القصيم، واستولى في الطريق على خمسمئة من إبل قبيلة بني رشيد لاستخدامها في جلب المؤن من ينبع، ووصل إلى بلدة الرس في جمادى الأولى 1230هـ / مايو 1815م  .  وحين يئس محمد علي باشا من ثني عزم ابنه عن التقدم إلى نجد أرسل في إثره بضع مئات من الفرسان والمشاة تحت قيادة حاكم المدينة المنورة إبراهيم آغا وعاد مسرعًا إلى مصر.
 
حين علم الإمام عبد الله بن سعود بوصول طلائع قوات طوسون باشا إلى القصيم جمع المقاتلين من أهل القصيم الذين بقوا موالين له والمناطق الأخرى وتوجه للتصدي للقوات الغازية، وأخذ الإمام ينازل تلك القوات في غربي القصيم ويهاجم إمداداتها والقبائل والقرى المتحالفة معها حتى مال الطرفان للمصالحة وتراسلا لعقد صلح وهدنة  .  وكان من أهم شروط الصلح: وقف القتال بين الطرفين وانسحاب قوات محمد علي والعثمانيين من نجد، وتأمين الانتقال بين الجانبين لأداء نسك الحج والتجارة، وتخلي الإمام عبد الله عن الحرمين وخضوعه للسلطان العثماني وحاكم المدينة المنورة، وأن يعيد الذخائر التي أخذها والده من الحجرة النبوية  .  عدَّ الإمام عبد الله بعض هذه الشروط إهانة له، ولذلك بعث في ساقة قوات طوسون باشا الذي سارع إلى الانسحاب من نجد إلى المدينة في شعبان 1230هـ / يونيو 1815م، مبعوثين برسائل إلى محمد علي باشا والسلطان العثماني لإتمام التفاوض على شروط الصلح والموافقة عليه  
 
كان الإمام عبد الله حريصًا على إتمام الصلح بعكس والي مصر الذي كانت لديه وجهة نظر أخرى فيما يتعلق بالدولة السعودية ونفوذ مصر في الجزيرة العربية، فلم يستطع المبعوثون السعوديون التوصل معه إلى اتفاق، وأصر على الشروط التي اقترحها ابنه طوسون وعلى ضرورة حضور الإمام عبد الله إلى مصر ثم مقابلته للسلطان  .  وقد زاد من تشدد محمد علي باشا وإصراره على إرسال حملة جديدة ضد الدولة السعودية قيام الإمام عبد الله على رأس عدد كبير من قواته بغزوة واسعة لمعاقبة القبائل والعشائر التي تعاونت مع قواته، وقد وصلت عملياته التأديبية إلى مناطق قريبة من المدينة المنورة  
 
عزم محمد علي باشا على إرسال حملة عسكرية أخرى للقضاء على الدولة الســعودية، فأخذ خلال عام 1231هـ / 1816م في إعداد ما تحتاجه الحملة من جنود وأسلحة ومؤن وأموال، وإرسالها عبر ميناءي السويس والقصير إلى ينبع، وقد أسند الباشا قيادة هذه الحملة إلى ابنه الأكبر إبراهيم باشا، الذي وصل إلى ينبع في ذي القعدة 1231هـ / سبتمبر 1816م ومعه ألفا جندي من المشاة وألف وخمسمئة من الفرسان وعدد من الخبراء العسكريين والأطباء الأوربيين  .  أقام إبراهيم باشا معسكره خارج أسوار المدينة المنورة، وبدأ مناورات عسكرية مكثفة بالذخيرة الحية للرفع من قدرات جيشه القتالية وإرهاب السعوديين والقبائل النازلة بين المدينة المنورة والدرعية، كما أخذ في تدريب جنوده على الحرب الصحراوية ومنعهم من الإساءة إلى القبائل التي سيمر جيشه في ديارها، ومنح رؤساء تلك القبائل الهدايا ورتب لهم الرواتب، وطعَّم جيشه بعدد من فرسان تلك القبائل لكي يضمن مساعدتها وولاءها  
 
تقدم إبراهيم باشا بقواته إلى الحناكية التي اتخذها مركزًا متقدمًا لعملياته الحربية، وواصل من هناك سياسته القبلية الرامية إلى إرهاب القبائل أو استقطابها، وكانت المدينة المنورة وينبع في هذا الوقت تمثل قواعد لقوات محمد علي الزاحفة إلى نجد، تصل إليهما الإمدادات من الجنود والسلاح والمؤن من مصر، وترسل منهما إلى الحناكية والقصيم والدرعية، حتى تمكنت الجيوش الغازية من الاستيلاء على الدرعية في ذي القعدة 1233هـ / سبتمبر 1818م  .  ولذلك شهدت المدينة المنورة وينبع خلال هذه الفترة نشاطًا عسكريًا واسعًا وحركة نقل وتجارة نشطة بسبب توافد الفرق العسكرية وجماعات الزوار وإرساليات المؤن والذخيرة والسلاح المرتبطة بالحملة العسكرية ومرورها بالمدينتين 
 
عاد إبراهيم باشا إلى المدينة المنورة في أواخر عـام 1234هـ / 1819م بعد أن قضى على الدولة السعودية الأولى وهدم عاصمتها الدرعية، وكان السلطان العثماني قد بعث قبل ذلك الخلع والهدايا إلى محمد علي باشا وابنه إبراهيم تقديرًا للخدمات التي قدماها للدولة، وفي ذي القعدة 1235هـ / أغسطس 1820م أنعم السلطان العثماني على إبراهيم باشا بباشوية جدة، وكان محمد علي باشا قد عين ابن أخته أحمد باشا يكن قبل ذلك بشهرين قائدًا عامًا للجيوش في الجزيرة العربية ومحافظًا لمكة المكرمة وحاكمًا عامًا للحجاز  .  وبذلك أتيح لوالي مصر أن يتولى حكم المناطق التي استولت عليها جيوشه في جزيرة العرب تحت السيادة العثمانية، وقد أوكل الوالي إدارة هذه المناطق لحاكم عام الحجاز ومقره مكة المكرمة، وأمره بالتنسيق مع أمير مكة المكرمة في تنفيذ سياسة الحكومة  
 
قسم محمد علي باشا المناطق التي أصبح يديرها في جزيرة العرب إلى محافظات، أهمها محافظة مكة المكرمة التي يديرها حاكم الحجاز بنفسه، وتليها في الأهمية محافظة المدينة المنورة ثم محافظة ينبع، وقد ألحقت شؤون نجد الإدارية والعسكرية بمحافظة المدينة المنورة  .  وكان محمد علي باشا وحاكم الحجاز يختاران لمنصب محافظ المدينة المنورة أكفأ رجالهما العسكريين، بسبب أهمية المنطقة، وسعتها، وكثرة القبائل التابعة لها، وعدم وجود حاكم محلي فيها مثل أمير مكة المكرمة، وكان محافظ المدينة المنورة يشرف على الشؤون الإدارية والمالية والعسكرية وشؤون القبائل وأمور نجد، ويرجع في ذلك إلى حاكم عام الحجاز، ولكنه يستطيع في الوقت نفسه مخاطبة القاهرة مباشرة خصوصًا في الأمور المالية والعسكرية  
 
كان يساعد محافظ المدينة المنورة وكيل أو معاون له، يساعده في ممارسة اختصاصاته، وينوب عنه في حال غيابه عن مقر عمله، كما كان يساعد المحافظ في إدارة المحافظة مجلس شورى يتكون من كبار الموظفين في المحافظة مثل أمين الشَّوْنَة  ،  ومعاون الخزينة، وقاضي المدينة، ومفتش الحسابات وغيرهم، ويجتمع هذا المجلس في ديوان المحافظة برئاسة المحافظ، وتناقش فيه الأمور الإدارية والمالية وغيرها، وتتخذ فيه القرارات التي يرفع المهم منها إلى حاكم الحجاز والقاهرة وتشمل مهام المجلس تشكيل لجان التحقيق في الأمور المهمة تمهيدًا لإعادة مناقشتها واتخاذ القرار المناسب فيها  
 
حرص محمد علي باشا على تقوية هيبة الحكم وتدعيم الجهاز الإداري في المدينة المنورة عن طريق إصلاح النظام القضائي، وكان القضاء في المدينة قد وصل إلى مرحلة متدنية من الفساد والضعف قبل ضم الدولة السعودية للمدينة، بسبب ضعف تأهيل القضاة الذين كانوا يرسلون من إستانبول، واعتماد تعيينهم على الرشى والمحسوبيات، وتدخل القوى السياسية مثل أمير مكة المكرمة في أحكامهم، وعدم إلمامهم بالأوضاع المحلية  .  وكان القضاء في المدينة قد تحسن خلال الفترة القصيرة التي حكمتها الدولة السعودية، لذلك عمد والي مصر إلى تعيين قضاة من أهل الكفاءة والنـزاهة، وشدد على ضرورة تحقيق العدالة، ومنع أمراءه وموظفيه من التدخل في أمور القضاء، كما منع القضاة من أخذ الرشوة وجعل القضاء أداة من أدوات إظهار سطوة الدولة وهيبة الحكم  .  وقد أبقى محمد علي باشا منصب شيخ الحرم النبوي السابق واستخدمه كأحد أجهزة الإدارة في المدينة، إذ كان شاغل هذا المنصب يشرف على شؤون المسجد النبوي الشريف  والمؤسسات الدينية والتعليمية في المدينة المنورة كالمساجد والمدارس والتكايا والزوايا  
 
إن بلاد الحجاز بشكل عام ومنطقة المدينة المنورة بشكل خاص فقيرة في مواردها الاقتصادية؛ وكانت الدولة العثمانية تنفق أموالاً كثيرة في سبيل إدارتها ورعاية الحرمين الشريفين، وعلى الرغم من أن غالب تلك الأموال كانت تأتي من مصر، إلا أن والي مصر صار يتحمل عبئًا إضافيًا بعد أن أصبح يحكم الحجاز نيابة عن السلطان العثماني، ولذلك حرص الباشا على ضبط موارد موانئ الحجاز، والتشدد في جباية الزكاة والرسوم خصوصًا من البادية، لأنه عدها دليلاً على الطاعة وهيبة الحكومة. ولم تكن هذه الموارد شحيحة فحسب بل كانت متذبذبة أيضًا، فقد بلغت الزكاة التي جباها حاكم الحجاز من البدو الرحل في عام 1235هـ / 1820م 8000 ريال، وفي العام التالي وصل المبلغ إلى 14000 ريال  .  ولذلك اعتمدت ميزانية إدارة محافظة المدينة المنورة ونفقات الحرم النبوي ونفقات الحملات العسكرية ضد نجد وقبائل المدينة على إمدادات خزينة مصر  
 
ومن جهة أخرى أدخل محمد علي باشا أنماطًا جديدة من الأنظمة الإدارية والمالية والعسكرية إلى الحجاز بشكل عام ومنطقة المدينة المنورة بشكل خاص، وقد اتسمت تلك الأنظمة بالحيوية والانضباط والقدرة على التجديد ومواجهة المشكلات الطارئة، وتميز القائمون على تطبيق تلك الأنظمة بقدر من الكفاءة والنشاط تحت إشراف مباشر من الباشا نفسه، وقد بعثت تلك الأنظمة روحًا جديدة ونهجًا حكوميًا حديثًا لم تعهده المدينة المنورة خلال الحكم العثماني السابق  .  وعلى الرغم من أن الانضباط ودقة التنظيم التي اتسمت بها حكومة الباشا قد أرضت قطاعًا كبيرًا من سكان المدينة المنورة الذين لم يظهروا تذمرًا أو تمردًا ضد حكومته، إلا أن إضعاف محمد علي باشا للقوى المحلية واستخدامها كأدوات لتنفيذ أهدافه، وتشدده في فرض سطوة الحكومة، واستخدام العنف في جباية الزكاة والرسوم من القبائل قد دفعها إلى التمرد والعصيان والثورة ضد حكومته، وقد استمر ذلك التمرد وانتشر إلى بقية مناطق جزيرة العرب حتى نهاية حكمه  
 
لم يكد إبراهيم باشا يعود إلى المدينة المنورة حتى استؤنفت المحاولات لبعث الدولة السعودية في نجد من جديد بجهود مشاري بن سعود ثم الإمام تركي بن عبد الله، وقد أزعج ذلك الدولة العثمانية ومحمد علي باشا، فصدرت الأوامر إلى حاكم الحجاز ومحافظ المدينة المنورة بإرسال الحملات للقضاء على تلك المحاولات في مهدها  .  وبما أن تنظيمات محمد علي باشا قد قضت بتبعية نجد لمحافظة المدينة المنورة، فقد تولى محافظ المدينة إرسال الفرق والحملات العسكرية إلى نجد؛ فقد بعـث في مـنتصـف عام 1235هـ / 1820م فرقة من الجند بقيادة أبوش آغا الذي أقنعه محمد بن مشاري بن معمر أنه تابع للدولة العثمانية  .  وفي بداية العام التالي 1236هـ / 1821م أرسل حـاكــم الحجاز حملة عسكرية مكونة من أكثر من ألفين من الفرسان والمشاة ومعهم مدفعية وجماعات من مطير وعتيبة بقيادة حسين بك قائد الفرسان الكشافة الذي كان يتولى محافظة المدينة المنورة  .  وقد سار حسين بك بجنوده إلى القصيم ومنها إلى ثرمدا في الوشم، وانضم إليه بعض أهل بلدان نجد، وقد هاجم قسم من حملته الإمام تركي بن عبد الله في الرياض وأجبره على الهرب منها، وقتل من بقي فيها من أتباعه ودبر مذبحة لأهل الدرعية، ثم أرسل حسين بك فرقًا من قواته ومن حلفائه النجديين إلى بلدان نجد لجمع الأموال والغلال والدواب، ثم عاد بجنده إلى المدينة المنورة بعد أن أبقى حاميات صغيرة في الرياض وثرمدا وعنيزة في شوال 1236هـ / 1821م  
 
دبت الحروب والفوضى في نجد بعد مغادرة حملة حسين بك، فأرسل محمد علي باشا إلى محافظ المدينة المنورة يأمره بإرسال حملة جديدة إلى نجد (وإيقاع العقاب الشديد بأهل الفساد)  ،  فخرجت من المدينة حملة بقيادة حسن بك أبوظاهر الذي أظهر في البداية التنسك وأن هدفه محاربة البدو وجمع الزكاة منهم، لكنه لم يلبث أن عاد إلى سيرة سلفه حسين بك في العسف والغدر والقتل في سبيل جمع الأموال والمؤن، ما أثار ضده البادية والحاضرة الذين حاربوه وهزموه وأرغموه على جمع قواته والعودة إلى المدينة بعد أن ترك حاميات صغيرة في منفوحة والرياض وعنيزة، وذلك في منتــصـف عام 1238هـ / 1823م  .  وقد شجعت هذه الحوادث الإمام تركي بن عبد الله على الظهور والبدء في العمل على طرد ما تبقى من جنود محمد علي من نجد وإقامة الدولة السعودية.
 
لقد أصبحت المدينة المنورة خلال هذه الفترة قاعدة عسكرية مهمة في شمالي الحجاز، تصل إليها إمدادات الجنود والمؤن والسلاح والذخيرة من مصر عبر ينبع، وتخرج منها تلك الإمدادات إلى نجد، وأصبح تحت تصرف محافظ المدينة المنورة أعداد كبيرة من العساكر ومقادير كبيرة من المؤن والذخائر والأموال، ما قوَّى من سلطته في المدينة والمناطق والقبائل التابعة لها  .  كذلك أسهمت تلك الإمدادات في نمو الحركة التجارية وحركة النقل بين المدينة ومحافظة ينبع وبينها وبين نجد، كما تزايدت أعداد السكان المقيمين في المدينة وينبع من المصريين والعثمانيين والمغاربة المنتمين إلى جيوش محمد علي باشا أو المرتبطين بخدمة تلك الجيوش.
 
تزامن تمرد القبائل المحيطة بالمدينة المنورة مع محاولات التخلص من حكم محمد علي باشا في نجد، ما شكل عبئًا عسكريًا مضاعفًا على محافظ المدينة؛ ففـي عــام 1236هـ / 1828م ثارت قـبائل بني علي وبني سفر وبني عمرو وعوف النازلة إلى الجنوب والشرق من المدينة المنورة وأخذت تهاجم المدينة وتفرض عليها الحصار، فهبت العساكر الموجودة في البلدة من المغاربة والسكان وتمكنت من إجبار المهاجمين على الانسحاب  .  وفي العام التالي امتدت حركة التمرد القبلي إلى قبائل غرب وشمال المدينة المنورة، إذ ثارت قبائل حرب في وادي الصفراء والجديدة وبدر وقبائل جهينة في ينبع، وبعث محافظ المدينة إلى الباشا يشكو إليه سوء وضع المناطق والقبائل التابعة له، ويطلب منه الإمدادات للتغلب على تلك التمردات  .  ولم تقتصر حركة التمرد القبلي هذه على القبائل المجاورة للمدينة، بل امتدت بعد ذلك إلى قبائل جنوبي الحجاز وعسير، وكان سبب حركات العصيان هذه تشدد موظفي الباشا في فرض الضرائب المختلفة وجمعها تحت اسم الزكاة وعجز القبائل عن تأديتها وسوء الأحوال الاقتصادية في الحجاز نتيجة للحروب التي قام بها محمد علي في المنطقة، واستيلاء قواته على إبل وماشية وأموال تلك القبائل، وما أحدثته سياسة الباشا من انقسام بين الأشراف وانقسام القبائل تبعًا لذلك  
 
تخوف محمد علي باشا من هذه الاضطرابات القبلية وخشي أن يفقد سلطته وسلطة العثمانيين في الحرمين بسببها، فكتب إلى محافظ المدينة المنورة يشجعه ويثبته ويحضه على ضرورة التصدي لتمردات العرب بالقوة والشدة، كما وعده بتجهيز الجنود وإرسالهم إلى المدينة على وجه السرعة، كما أرسل الباشا إلى حاكم الحجاز أحمد باشا يكَن يوجهه إلى ضرورة التنسيق بينه وبين محافظ المدينة بهذا الشأن  
من ناحية أخرى، عمد محمد علي باشا إلى سياسة الترغيب مع شيوخ القبائل، مثل: الشيخ واصل بن غانم بن مضيان شيخ حرب، الشيخ مشعان بن هذال شيخ عنـزة، الشيخ فيصل الدويش شيخ مطير، الشيخ حمد بن سبيع شيخ جهينة، فكتب إليهم وأعطاهم الأمان وحثهم على الامتثال لأوامر حسن بك محافظ المدينة المنورة والتعاون معه في "العمل على رفاهية البلاد وزجر من يرفع راية العصيان، وأن من يفعل ذلك فسوف يعود عليه بالخير العميم، وأن من يخدم بابه بالصداقة فسوف لا يضيع سعيه وسيرى مكافأته"  .  وخص الشيخ واصل بن مضيان بسبب سيطرة قبائله على طريق الحج في مضايق وادي الصفراء والجديدة بقوله: "لأنك أنت ممن نعتمد عليه بذلك الطرف"  
 
لقد نجحت سياسة الترغيب والترهيب التي سار عليها محمد علي باشا مع القبائل المجاورة للمدينة المنورة، فهدأت الأوضاع في المدينة وما جاورها بعد عام 1240هـ / 1825م، وذلك لأن البـاشـا وحكومة الحجاز قد انشغلا خلال هذه الفترة بالنـزاع الذي دب بين أشراف مكة المكرمة على الإمارة منذ عام 1242هـ / 1827م وامتداده إلى قبائل جنوبي الحجاز وعسير  ،  فهادن الباشا قبائل المدينة المنورة للتفرغ لمعالجة تلك المشكلات، لكنه استأنف حملاته العسكرية ضد السعوديين في نجد عام 1252هـ / 1836م، التي استمرت حتى انسحابه من جزيرة العرب في عام 1256هـ / 1840م. وكانت تــلك الحملات والإمدادات اللازمة لها تمر عبر ينبع والمدينة المنورة  .  وقد أدت هذه الأنشطة العسكرية في المنطقة إلى عودة الاضطراب والعصيان مرة أخرى بين القبائل المجاورة للمدينة، بسبب أخذ الحكومة جمال تلك القبائل لاستخدامها في نقل الجند والمؤن والإمدادات بين ينبع وبين المدينة وجدة ونجد وتعطل مصالح القبائل بسبب ذلك  
 
فــي عــام 1254هـ / 1838م أعلــنت قبائل حرب التي تسيطر على طريق الحج والطرق الواصلة بين المدينة المنورة وبين ينبع ومكة المكرمة وجدة والتي تعمل في نقل الحجاج والتجارة والإمدادات بين تلك الأمكنة، العصيان على حكومة محمد علي باشا، ورفضت نقل المؤن والإمدادات واعترضت جماعات منها تلك الطرق  .  استنجد محرم بك - محافظ المدينة المنورة - بدرويش بك محافظ ينبع لمساعدته في التصدي لذلك العصيان، فأرسل محافظ ينبع بعض العساكر والمدافع والأسلحة التي وصلته من مصر، فضمها محرم بك إلى قوات من المدينة وسيرها بقيادة قائد مدفعية المدينة لإخضاع الثائرين في الجديدة ووادي الصفراء، لكن فرقة المدفعية وفرقة الفرسان واجهتا مصاعب كبيرة بسبب قلة المؤن والمياه وصعوبة الحركة في المناطق الجبلية  .  كتب محافظ المدينة المنورة إلى مصر يطلب الإمدادات، فأرسل الباشا حملة جديدة بقيادة سليم باشا أطزبير فــي عــام 1255هـ / 1839م، وأخـذ سليم باشا يهاجم تجمعات المتمردين وقراهم ومعاقلهم ويقطع نخيلهم، وقد نتج من هذه العمليات العسكرية انقطاع الطرق وشح المؤن والأغذية في المدينة وارتفاع أسعارها  
 
أثار توسع محمد علي باشا في الأحساء ونواحي الخليج العربي وسيطرته على بلاد الشام مخاوف بريطانيا، فانتهزت فرصة انتصاره على قوات الدولة العثمانية في مـعــركة نصــيـبين عـام 1255هـ / 1839م وتزعمت عددًا من القوى الأوروبية بالإضافة إلى الدولة العثمانية، وعقدت مؤتمر لندن في عــام 1256هـ / 1840م الذي أجــبـر محمد علي باشا على الانسحاب من بلاد الشام والجزيرة العربية  
 
خاف والي مصر على قواته في الحجاز ونجد والأحساء وأراد حمايتها وتنظيم انسحابها، خصوصًا أن طريق انسحاب تلك القوات يمر بديار حرب التي كانت في ذلك الوقت في حالة عصيان ومواجهة عسكرية شديدة مع قوات محمد علي. استدعى الباشا أمير مكة المكرمة، الشريف محمد بن عون الذي كان محتجزًا لديه في القاهرة بسبب خلافاته مع حاكم الحجاز أحمد باشا يكن، وأبلغه أنه سيعيده إلى إمارة مكة المكرمة بموافقة الدولة العثمانية، وأنه سيترك له المخزون الكبير من المؤن والذخائر والسلاح الموجود في الحجاز، وطلب منه تنظيم انسحاب قوات محمد علي الموجودة في ذلك الوقت في منطقة المدينة المنورة ومنطقة نجد والأحساء وتأمينها، وسيكون انسحابها عن طريق المدينة وينبع  
 
توجه الشريف محمد بن عون من مصر إلى ديار حرب عن طريق ينبع، وأراد استغلال وجود قوات محمد علي في ديار حرب وينبع والمدينة المنورة لضرب تلك القبيلة المتمردة لتأمين انسحاب قوات محمد علي من نجد والمدينة من ناحية، ولتقوية سلطته.
 
اجتمع الشريف بقوات سليم باشا في الخيف والنازية بعد موسم حج عام 1255هـ / 1840م، واست-أنف الرجلان الهجمات على قبائل حرب وقراها، وأحكما السيطرة على موارد المياه والطرق، وأجبرا تلك القبائل على اللجوء إلى جبل الفقرة وطلب الأمان وإعلان الطاعة والتعهد بتأمين الطرق وتقديم الخدمات اللازمة لحكومة الحجاز  .  توجه الشريف محمد بن عون بعد ذلك إلى المدينة المنورة التي مكث فيها أكثر من عشرة أشهر يرتب انسحاب قوات محمد علي القادمة من نجد والموجودة في المدينة عن طريق ينبع، كما بدأ الشريف بالتعاون مع عثمان باشا شيخ الحرم النبوي ومحرم بك محافظ المدينة في تنظيم الأوضاع السياسية والإدارية في المدينة المنورة وترتيب تسلم الموظفين العثمانيين مهامهم من نظرائهم المصريين، وعين الشريف محمد بن عبد الله بن سرور قائمقام عنه في المدينة المنورة، وتوجه إلى مكة المكرمة في أواخر عــام 1256هـ / 1840م  .  وهكذا أتيـحت الفرصة لأمير مكة المكرمة والحجاز لإعادة نفوذه في المدينة المنورة مع نهاية حكم محمد علي باشا وعودة حكم الدولة العثمانية للحجاز.
 
شارك المقالة:
724 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook